13 October 2023
د. هلكا عمر علاء الدين
مساعد العميد - كلية العلوم الإنسانية-جامعة بيروت العربية
دكتوراه في علم نفس الشخصية وعلم النفس الايجابي تشير الدراسات والأبحاث إلى أنّ الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي ووسائلها، له مساوئ عديدة، خاصة على الفئات الأكثر استخداماً لها، كالأطفال والمراهقين والشباب. يُرجّح الباحثون أنّ سبب إدمان هذه الوسائل، إلى أنّ دماغ الإنسان يفرز كمية صغيرة من "الدوبامين" -وهو الهرمون المسؤول عن السعادة والرضا- عندما يصله إشعار من أحد حساباته على هذه المواقع. ومع كلّ إشعار يصل، فإنّ دماغه يصبح تحت تأثير الحماسة والتحفيز.
يؤدي إدمان مواقع التواصل الاجتماعي والتنقل بينها طوال الوقت وتتبع التحديثات والمعلومات إلى ما يسمّى بـ "حالة التمزق". إضافةً إلى أنه يُسهم في تكوين "دائرة لزجة" تؤثر سلباً على الحالة النفسية، بينما يؤدي انخفاض الرضا عن الحياة إلى زيادة استخدام هذه الوسائل.
وقد أكد العلماء أنّ إدمان مواقع التواصل الاجتماعي يضر بشكل أساسي بالصحة النفسية للأفراد، ويبرز ذلك من خلال:
- تعوّد الفرد على التواصل غير المباشر مع الناس، مما يؤدي إلى رغبته في العزلة والابتعاد عنهم والانقطاع عن الواقع. ثم يتجه بعد ذلك إلى الانغماس في العالم الافتراضي، ونتيجة لذلك يُصاب الفرد بالاكتئاب والانطواء والقلق والتوتر والفوبيا الاجتماعية.
- المقارنة المستمرة بالآخرين، رفع التوقعات لأنفسهم وللآخرين يؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس، نقص تقدير واحترام الذات، عدم الرضا عن صورة الجسم، الشعور بالغيرة، الذنب والدونية.
- التغيّرات المزاجية، الاستثارة العصبية، الشعور بالوحدة والتعاسة والتفكير السلبي.
- اضطراب نمط الحياة النوم، والتغذية، والرياضة بسبب إضاعة الوقت.
- الاضطرابات المعرفية مثل النسيان، ضعف الإدراك، تشتت الانتباه، فقدان القدرة على التركيز والشعور بالتشويش.
- مشاكل في الحياة الشخصية تتمثل بانعدام الخصوصية والخيانة العاطفية.
- ازدياد قضايا التنمّر، التحرش الإلكتروني والابتزاز من الغرباء.
على الصعيد الاجتماعي، تتمثل أبرز المخاطر فيما يلي:
- تقليل فرص التواصل الواقعي والمباشر بين أفراد المجتمع، انخفاض مهارات التواصل الإنساني، عدم التعبير الفعلي عن العواطف، عدم مشاركة المشاعر واستبدالها برموز وصور ممّا يسبّب التبلد الإنفعالي، تفكك العلاقات العاطفية والاجتماعية والأسرية.
- الإسهام في ارتفاع معدّلات الجريمة، العنف، السلوك العدواني، انتشار الأفكار المتطرفة، كثرة اللجوء للمواقع الإباحية. وسهولة نشر الشائعات والأخبار الكاذبة التي تؤدي إلى انتشار الفوضى في المجتمع.
أما على الصعيد الصحي، فقد تبيّن ظهور مشكلات صحية متعددة مرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أبرزها:
- الإرهاق
- الأرق
- السمنة
- أمراض القلب، والشرايين، وضغط الدم
- أمراض العيون
- ضعف الجهاز المناعي، نتيجة التعرّض للأخبار الضاغطة وكثرة فوضى المعلومات.
لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي حاجة ملحّة لحياتنا اليومية، فهي تقدّم فوائد عدة على الصعيدين الاجتماعي والمهني، كما تسهّل الكثير من الأعمال والمهام. إلا أنها أسهمت في انتشار مفاهيم خاطئة ودمرت منظومة القيم الأخلاقية؛ والأخطر أنها فتحت المجال أمام الأشخاص السطحيين والمزيّفين والنرجسيين والمضطربين في التأثير السلبي على المجتمع. أمّا الحلّ للمشكلات الناتجة عن هذه الوسائل ليس في الابتعاد عنها، بل في جعل الأفراد أكثر وعياً بالمخاطر المحيطة بتلك الوسائل وتقليل عددها. كما في اختيار الوسيلة الأنسب لإشباع حاجاتهم؛ أيضًا عبر تنظيم الوقت المخصّص لاستعمالها، بما يحقق توافقهم النفسي والاجتماعي في آن ويحافظ على مجتمع سوي ومنتج.